الله محبة

الله محبة

 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثلوحة التحكمالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مقالة بعنوان : المظاهرات قراءة فى ضوء الأسفار المقدسة بقلم نيافتك الحبر الجليل الأنبا مكاريوس الأسقف العام بالمنيا وابوقرقاص

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مايكل ممدوح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar


العــــمــــــــر : 27
عدد المساهمات : 182
ذكر

مُساهمةموضوع: مقالة بعنوان : المظاهرات قراءة فى ضوء الأسفار المقدسة بقلم نيافتك الحبر الجليل الأنبا مكاريوس الأسقف العام بالمنيا وابوقرقاص   السبت فبراير 05, 2011 7:06 pm




مقالة بعنوان : المظاهرات قراءة فى ضوء الأسفار المقدسة بقلم نيافتك الحبر الجليل الأنبا مكاريوس الأسقف العام بالمنيا وابوقرقاص



المظاهرات
قراءة في ضوء الأسفار المقدسة

]تشهد مصر الآن العديد من المظاهرات والاحتجاجات
والاعتصامات، التي بدأت منذ أكثر من عامين، ولكن وتيرتها زادت بعد الاحداث
التي وقعت في تونس، فإلي أي مدي يمكن أن تكون مثل هذه الطرق في التعبير عن
الرأي سليمة، وتتماشي مع المنهج الكنسي، وكيف نستطيع قراءة ذلك في الكتاب
المقدس، لا سيما وقد تساءل الكثيرين إن كان يجب أن يشتركوا في المظاهرات أم
لا، وهل يؤيدون الحاكم أم ينضمون الى المطالبين بالتغيير والاصلاح، وهل
يعد الاشتراك تمردا على الحكام الذين أوصانا الله بالخضوع لهم، كذلك إن كان
عدم الاشتراك يعد سلبية وخيانة.
هناك أمثلة عديدة لمثل هذه الحركات في الكتاب المقدس والتقليد
الكنسي، منها المدنية ذات الصلة بالكنيسة، ومنها الكنسي البحت، ومنها كذلك
السياسي البحت، وأمّا التعبيرات التي استخدمت في الكتاب المقدس في هذا
الاطار، فهي: "شغب" (متى 26: 5 و أعمال 20: 1 و 21: 34 و 24: 18) و "فتنة" (لوقا 23: 19 و اعمال 24: 5) و "احتجاج" و "سجس" (أعمال 17: 5) و "ثورة" (دانيال 14: 29) "بنفس واحدة" (أعمال 7: 57 و 18: 12 و 19: 29) و "محفل" (أعمال 19: 32) و "تذمر" و "تمرد" وهياج وغيرها.. وتصنف المظاهرات الى أنواع من جهة دوافعها:

أولا ثورات بسبب الخطية
حيث تكون الخطية هي المحرك الفعلي وراء العصيان وليس مصلحة الآخر أو الوطن

ثورة أهل سدوم على لوط البار:
أول ما يلفت الانتباه هو تظاهرة ضخمة قام بها أهل سدوم للإساءة إلى
لوط البار وضيوفه، فقد حاصروا البيت وهتفوا ضده: «وَقَبْلَمَا اضْطَجَعَا
[ضيفا لوط؛ الملاكان] أَحَاطَ بِالْبَيْتِ رِجَالُ الْمَدِينَةِ، رِجَالُ
سَدُومَ، مِنَ الْحَدَثِ إِلَى الشَّيْخِ، كُلُّ الشَّعْبِ مِنْ
أَقْصَاهَا» (تكوين 19: 4) وعندما حاول تهدئتهم والتفاهم معهم أهانوه
قائلين: «جَاءَ هذَا الإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ، وَهُوَ يَحْكُمُ حُكْمًا»
(تكوين 19: 9) ويقصدون أنه جاء من أور الكلدانيين مع عمه ابراهيم واختار
السكني في سدوم. وقال ورد في التقليد اليهودي أن لوطا كان مثل قاضي أو حاكم
المدينة، وقد أنقذه الله من أيديهم بعدما ضربهم ملاك الرب بالعمي.
هذه تظاهرة بغرض شرير، اناس اجتمعوا على الشر وشجعوا بعضهم بعضا على
الخطية والاساءة الى الغرباء والى لوط نفسه، ولكن الله عاقبهم.

تمرّد بني اسرائيل على الرب في سيناء:

بينما كان موسي علي الجبل يتسلم الشريعة من الله، سمع أصواتا وصياحا
بينما هو نازل، ولما تبين الصوت لم يكن صياح نصرة أو صراخ الهزيمة، وكان
موسى النبي قد ظن أن عدوا باغتهم في غيابه، ولكنه فوجيء بالشعب في شبه
مظاهرة يقدمون ذبائح لعجل ذهبي صنعوه لأنفسهم وعبدوه «وَسَمِعَ يَشُوعُ
صَوْتَ الشَّعْبِ فِي هُتَافِهِ فَقَالَ لِمُوسَى: "صَوْتُ قِتَال فِي
الْمَحَلَّةِ". فَقَالَ: "لَيْسَ صَوْتَ صِيَاحِ النُّصْرَةِ وَلاَ صَوْتَ
صِيَاحِ الْكَسْرَةِ، بَلْ صَوْتَ غِنَاءٍ أَنَا سَامِعٌ". وَكَانَ
عِنْدَمَا اقْتَرَبَ إِلَى الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ أَبْصَرَ الْعِجْلَ
وَالرَّقْصَ، فَحَمِيَ غَضَبُ مُوسَى، وَطَرَحَ اللَّوْحَيْنِ مِنْ
يَدَيْهِ وَكَسَّرَهُمَا فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ» (خروج 32: 17-20) لقد خرج
الشعب في شبه تمرد كبير على موسى متهمين إياه بالتسبب في جوعهم وافنائهم.
خرج الشعب يتمرد على موسى، وفي الواقع كانوا يتمردون على الله نفسه،
ولذا فقد كانت النتيجة أن قرر الله افنائهم لولا شفاعة موسى النبي، كما تم
اهدار كميات كبيرة من الذهب حيث حطم التمثال، ونستنتج أيضا أنهم وقعوا في
خطايا زني في هذا التمرد، وهذا نتيجة الانصياع لمشورة رديئة دون الرجوع لله
وللمرشدين

ثانيا: ثورات كنسية
مظاهرة للمطالبة بتأميم الكهنوت:

حدث ذلك حين قام جماعة من اليهود المنشقين محاولين "تأميم الكهنوت"
متعللين في ذلك بأن هرون وبنيه ليسوا هم فقط المعينون للكهنوت، وأنهم ليسو
أكثر قداسة من بقية الشعب، ويقول موسي النبي في سفر العدد أنهم اجتمعوا علي
موسي وهرون وقالوا لهما «كَفَاكُمَا! إِنَّ كُلَّ الْجَمَاعَةِ
بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا
تَرْتَفِعَانِ عَلَى جَمَاعَةِ الرَّبِّ؟» (عدد 16 :3) وطلب موسي من كل
الجماعة المنشقة أن يأتوا إلي قدام الرب وليحكم الرب في الأمر ويختار من
يكهن له، ولكن الرب رفضهم وأمر الأرض فانشقت وابتلعتهم واندلعت نار واهلكت
المائتين والخمسين الذين قادوا العصيان (16 :25 ). والعجيب أن الشعب ثار
على موسى وهرون بسبب هذا الأمر وعاتباهما قائلين: "انما قد قتلتما شعب
الرب" (16: 31).
ونفهم أن قادة العصيان ومنظمو المظاهرة كانوا مائتين وخمسين، بينما
كان العدد الكلي يمثل تلك العشيرة "عشيرة قورح وداثان وأبيرام" مع أن تلك
القبيلة كان لها خدمة ما في خيمة الإجتماع ولكنهما طمعا في الكهنوت.
ونلاحظ في هذه المظاهرة تلطف موسي النبي القائد بالمتظاهرين، ولم
ينكر عليهم طلبهم ولكنه أحال الأمر إلي الرب علي أن الرب يحدد من يكهن له.
هذا وقد أطلق القديس يهوذا علي تلك المظاهرة لفظة "مشاجرة Rebellion يهوذا
11" وهو الكلمة التي تترجم: (ثورة، عصيان، تمرد).
ثمة ملاحظة اخرى في تلك المشاجرة، وهي أن المجتمع بشكل عام وفي الشرق
بشكل خاص قد يثور طالبا الانتقام من مجرم ما فإذا تمت محاكمته ووجب تنفيذ
حكم الموت فيه، عاد الشعب ليشفق عليه ملتمسا العذر والصفح معا !!. ولعل ذلك
ما حدث مع الرئيس المصري أمس وأول أمس.
ونقرأ في التاريخ الكنسي المبكر عن تمرد مشابه من بعض الشباب ضد
الاكليروس حيث أعلنوا أحقيتهم بأعمال الكهنوت والتعليم من الرعاة في أيامهم
بل وتطاولوا عليهم بعزل البعض من وظائفهم، وهنا قام القديس أغناطيوس
الأنطاكي بمعالجة ذلك من خلال العظات والكتابات، وكان من نتائج هذا التمرد
أنه لفت الانتباه الى أنه حيث يوجد الاسقف توجد الكنيسة، وهو الذي اطلق
تعبير "الكنيسة الجامعة" وربما أول من أشار الى درجات الكهنوت، وقد حذر
اولئك الشباب المتمرد من العقاب الذي استحقه قورح وداثان وأبيرام.

مظاهرة الفريسيين ضد الاسكندر جنايوس:

الاسكندر جنايوس هو القائد السابع من قادة المكابيين (103-76ق.م.)
انضم الاسكندر الى فرقة الصدوقيين، وكان اليهود قد انقسموا الى هذين
الفريقين الفريسيين والصدوقيين، وكانت كفة الفريق ترجح متى كان الملك ينتمي
اليها عقائديا رغم مسئوليته عن الجميع، وكان الملك في تلك الايام يقوم
بدور الملك ورئاسة الكهنوت معاً حيث بدأ ذلك من أيام يوناثان المكابي،
وبالطبع لم يكن من المقبول أن الرجل الذي يخوض الحروب ويسفك الدماء هو نفسه
الذي يقود ليتورجيات الهيكل ويقدم الذبائح، اضاقة الى أنه لم يكن متضلعا
ومتفرغا للعمل الكهنوتي، ولكنه من المؤسف أن هذه الرتبة في تلك الايام كانت
تباع لمن يدفع أكثر.
في احتفالات عيد المظال كان التقليد اليهودي يقضي بأن يخرج رئيس
الكهنة في موكب مهيب من باب الهيكل المواجه لبركة سلوام ومعه قدر من الفضة
أو الخزف حيث يملأه من هناك ويعود به ليكسره ويسكب الماء في مجاري حول
المذبح، تذكارا لتفجر الماء لبني اسلرائيل في البرية من صخرة حوريب، وفي
مثل ذلك اليوم فيما كان يعرف لاحقا بـ "اليوم العظيم من المظال"وفي اليوم
الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلا ان عطش أحد فليقبل إلي ويشرب"
(يوحنا 7 : 37).
ولكن يبدو أن الاسكندر لم يسكب الماء في مكانه بل فوق الارض،
وباعتباره صدوقيا لا يؤيد الطقوس كثيرا فقد اعتبر الحاضرين ذلك اهانة بالغة
متهمين اياه بالاستخفاف بالتقليد، ومن ثم بدأوا يهتفون ضده ثم تطاول عليه
البعض بقذفه بثمر الاترج (يشبه البرتقال وكان يستخدم مع أغصان الاحتفالات).
وهنا ثارت ثورته فأمر جنوده بتأديب الثائرين ولم يفلح الاعتذار الذي قدمه
الفريسيين له، وقتل في ذلك اليوم وداخل الهيكل ستة آلاف يهودي، ولم ينته
الأمر عند هذا الحد بل اشتعلت نار الحرب بين الفريقين والتي راح ضحيتها
خمسون ألف فريسي مما جعل الايام الاخيرة من ملكه كئيبة حزينة، وقيل أنه
قبيل موته اوصى زوجته خيرا بالفريسيين، ولما فارق الحيلة استدعت زوجته قادة
الفريسيين واستعطفتهم راجية صفحهم فرضوا وأكرموا جسده ودفنوه كما يليق
بملك.
وكان من نتائج هذه المظاهرة تعقد العلاقات بين الفريسيين والصدوقيين
لقرون، ويمكننا ملاحظة ذلك من الخلاف الذي دب بينهم عند حديث القديس بولس
عن القيامة، "ولما علم بولس أن قسما منهم صدوقيون والاخر فريسيون صرخ في
المجمع ايها الرجال الاخوة أنا فريسي ابن فريسي على رجاء قيامة الأموات أنا
احاكم" (اعمال 23 : 6) كما يلاحظ أن مسألة الطقس تحولت الى عرقية مع أن
عادة سكب الماء مجرد تذكرة لصخرة حوريب، ومع ضرورة المحافظة على الطقس الا
أن حراسة الطقس والمقدسات يجب أن تكون بطريقة لائقة ومقدسة، وعلى الجانب
الآخر يجب على الحاكم مراعاة مشاعر رعيته الدينية حتى وان كان يخالفهم
المعتقد.

ثالثا: ثورات سياسية
وهي احتجاجات ذات طابع سياسي، يخص الوطن والارض والرئاسات
تذمر الشعب بسبب جواسيس أرض الموعد:


حدث ذلك عندما أشاع الجواسيس العشرة من مجموع الاثني عشر، أخبارا محبطة
للشعب عن أرض الموعد وسكانها من حيث قوتهم وعظمة المكان مما لا طاقة لبني
اسرائيل بهم: «فَرَفَعَتْ كُلُّ الْجَمَاعَةِ صَوْتَهَا وَصَرَخَتْ،
وَبَكَى الشَّعْبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» (عدد 14 :1)، وقد غضب الرب من عملهم
وقال لموسي: «حَتَّى مَتَى يُهِينُنِي هذَا الشَّعْبُ؟ وَحَتَّى مَتَى لاَ
يُصَدِّقُونَنِي بِجَمِيعِ الآيَاتِ الَّتِي عَمِلْتُ فِي وَسَطِهِمْ؟»
(عدد 14: 11). ومع ذلك عوقب الرجال الذين ثبّطوا عزائم الشعب، وطمأن موسي
بقية الشعب بأن الرب معهم.
وهذا تذمر على القائد بسبب الخوف فقط من المغامرة وتعريض مصالح البلاد
(أو الشعب) للخطر وسفك الدماء، ويكون على القائد في مثل هذه الحالات الصلاة
وطلب ارشاد الله، ودراسة الموقف جيدا مع مستشاريه لاتخاذ القرار المناسب
بعيدا عن العواطف ودون تأثر بالمستخفين ومثبطي العزائم.

مظاهرة شكيم والخلاف مع رحبعام :

(1 مل 12: 16-19، 2 اخ 10: 16-19)
وهي المظاهرة أو الإحتجاج الذي صدر عن أسباط اسرائيل العشرة
الشمالية، بسبب الرد القاسي والمحبط الذي جاوبهم به رحبعام، فقد اجتمعوا
هناك لكي يبايعوه ملكا علي كل الأسباط خلفا لسليمان، طالبين منه "بعشم" أن
يخفف النير والضرائب والسخرية التي عانوا منها في أيام سليمان أبيه، ولكنه
انصاع لمشورة الشباب فأغلظ لهم القول، وعندئذ هتفوا قائلين «"أَيُّ قِسْمٍ
لَنَا فِي دَاوُدَ؟ وَلاَ نَصِيبَ لَنَا فِي ابْنِ يَسَّى! إِلَى خِيَامِكَ
يَا إِسْرَائِيلُ. الآنَ انْظُرْ إِلَى بَيْتِكَ يَا دَاوُدُ". وَذَهَبَ
إِسْرَائِيلُ إِلَى خِيَامِهِمْ» (ملوك الأول 12: 16). وفي غضب الثائرين
قتلوا أدورام الذي أوفده رحبعام ليواصل عملية التسخير التي كان يمارسها
الاول مع سكان الشمال أيام سليمان (1 مل 16: 19).
وكان من نتيجة التمرد وعدم حكمة رحبعام أن انقسمت المملكة وتكونت
منذ ذلك الحين مملكة الشمال ومملكة الجنوب، لانه لم يكن هناك من يستوعب
المتظاهرين.

ثورة الانطاكيين ضد الامبراطور ثيئودوسيوس:

هذا نموذج لثورة من التاريخ المسيحي المبكر، حدث ذلك في سنة 387م.
حين كانت الإمبراطورية الرومانية في القسطنطينية تعد للإحتفال بمرور عشر
سنوات علي حكم الإمبراطور ثيؤدسيوس الكبير، ومرور خمس سنوات علي اشتراك
اركاديوس ابنه معه في السلطة، ولزم الأمر فرض ضرائب جديدة لتوفير التكاليف
الباهظة لتلك الإحتفالات، ورغم امتعاض الشعب في كل مكان إلا أنه لم يعترض
أحد سوي الأنطاكيين الذين احتجوا علي القرار، وثاروا وخرجوا يحتجون علي
التثقيل عليهم، وفي ثورتهم حطموا تماثيل الإمبراطور وزوجته وابنه، وألقوها
في القمامة وانذر الأمر بكارثة، ووصل الخبر فغضب الإمبراطور، وارسل بعض من
قواده للانتقام من المدينة بعدم جعلها العاصمة، وكذلك اغلاق النوادي
والحمامات العامة والمسارح، وحرمانها من امتيازات أخري، وُالقي القبض علي
مثيري الفتنة وصودرت ممتلكاتهم ونفي بعضهم، بل صدر الأمر باحراق المدينة
وقتل الشعب !! لولا تدخل بعض النساك والمتوحدين الذين غادروا مغاراتهم
وتوسلوا الي رجال الامبراطور أن ينتظروا ريثما يتوسطون لدي الإمبراطور،
وانتشر الهلع بين الناس الذين توقعوا عقابا قاسيا، وبينما كان اسقف انطاكية
في طريقه الي القسطنطينية لالتماس العفو من الإمبراطور عن شعبه، اتجه
الشعب إلى الكنيسة يحتمون فيها، وقد انتهز القديس يوحنا ذهبي الفم الفرصة
وكان كاهنا في ذلك الوقت، لكي يحثهم علي التوبة والإهتمام بأبديتهم، وقد
سميت عظاته الاحدى والعشرون في هذه المناسبة بـ "عظات التماثيل" وهي مجموعة
من أروع عظاته كان لها أبلغ الأثر في نفوس المسيحيين والوثنيين معا، علي
الجانب الآخر استطاع الاب الاسقف استمالة قلب الإمبراطور إلى الصفح عن
شعبه، وذلك بحديثه معه عن الدينونة والغفران حتي يغفر الله لنا، وقد قوبل
صفح الامبراطور عن المدينة بفرح شديد من قبل الشعب.
وكان من شأن هذا التمرد الذي افتقر الى الحكمة والدراسة من قبل قادته
أن يودي بمدينة بأكملها مع شعبها، كما أظهر كيف أن كبرياء الملك يمكن أن
يصل به في انتقامه الى حد مرعب.

تظاهرة لتأييد داود النبي:

حدث ذلك حين ذاع صيت داود النبي في جميع مدن إسرائيل بعد قتله جليات
الجبار الفلسطيني، وعند دخوله إلي البلاد حدث «أَنَّ النِّسَاءَ خَرَجَتْ
مِنْ جَمِيعِ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ بِالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ لِلِقَاءِ
شَاوُلَ الْمَلِكِ بِدُفُوفٍ وَبِفَرَحٍ وَبِمُثَلَّثَاتٍ» (صموئيل الأول
18 :6). وفي غمرة بهجتهن هتفت الفتيات قائلات: «ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ
وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ» (صموئيل الأول 18 :7)، باعتبار أن داود هو رجل شاول
والمعنى الذي قُصد هو أن شاول يحقق الإنتصارات يومًا بعد يوم من خلال
داود، غير أن شاول ساءه ذلك إذ اعتبره مقارنة مجحفة فيما بينه وبين داود،
ومن ثم راح يضطهده.
ونلاحظ أن عبيد أخيش الملك الذي لجأ داود إليه من وجه شاول، تساءلوا:
«أَلَيْسَ هذَا هُوَ دَاوُدُ الَّذِي غَنَّيْنَ لَهُ بِالرَّقْصِ
قَائِلاَتٍ: ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ؟» (صموئيل
الأول 29 :5). مما يعني أن الأمر ذاع بسبب تلك المظاهرة الضخمة.
هذا عبارة عن رد فعل تلقائي من الشعب ولم يقصد به الاستخفاف بالملك ولكن
الملك لم يكن ناضجا بالقدر الكافي ليثق بالله وبنفسه ولكن وكما يقال دائما
ان القائد الضعيف تقلقه المواهب جدا.


رابعا: ثورات دينية عرقية

هذه ثورة ليست سياسية ولا روحية بل عرقية يغلب عليها الطابع القبلي
مظاهرة أهل بابل ضد نبوخذ نصر:


يرد ذكر هذه المظاهرة في سفر دانيال (14 :27)، فبعدما كشف دانيال النبي
للملك لغز اختفاء الأطعمة في معبد البعل وخداع الكهنة له بأن البعل يلتهم
كميات ضخمة من لحوم الذبائح والخمر في حين يستولون هم وأسرهم عليها، قام
بتحطيم تمثاله وقتل كهنته الأشرار، وكذلك تخليص أهل بابل بقتل التنين الذي
كان يخافه البابليون ويقدمون له الذبائح كإله، وقد هاج البعض الآخر وتجمعوا
في مظاهرة صاخبة غاضبين: «فلمّا سَمِع بذلك أهلُ بابلَ غَضِبوا جدًا،
واجتَمَعوا على الملكِ، وقالوا إن الملكَ صارَ يهوديًا»، بل هدّدوه بالقتل
ما لم يسلّم إليهم دانيال، فسلمه إليهم حيث ألقوه في جب الأسود.
يُلاحظ في تلك المظاهرة انقسام الشعب ما بين المؤيد والمعارض، فالبعض
اشتكى من التنين والرعب الذي يسببه لهم، فلما أطاح به دانيال هاج البعض
الآخر، ومن هنا فإن المظاهرات والاحتجاجات لا تعبر في كل مرة عن رأي
الأغلبية والشعب عامة. يقول سليمان الحكيم: «يَا ابْنِي، اخْشَ الرَّبَّ
وَالْمَلِكَ. لاَ تُخَالِطِ الْمُتَقَلِّبِينَ» (أمثال 24 : 21(.

الثورة المكابية:

لم تكن الحركة المكابية مجرد ثورة أو مظاهرة، وانما حركة دينية
سياسية لها جناح عسكري، أعلنت التمرد علي السلوقيين في أيام أنطيوخس
أبيفانيوس والذي أوقف العمل بالشريعة وأوقف العبادة في الهيكل، ومنع الختان
واقتناء نسخ من الشريعة، ومارس ضغطا وثنيا عقائديا بشكل عام، وقد قاد هذه
الثورة الكاهن متثيا مع أولاده الخمسة الذين ُسموا بعد ذلك بالمكابيين أو الحشمونيين،
لقد هتف في الشعب واستنهض عزيمتهم وغيرتهم، فقد حدث أن أرسل الملك مندوبا
ليجبر الشعب في مودين على الذبح للأوثان فغار متثيا الكاهن وقتله مع الذين
اشتركوا معه، ومن هنا انطلقت الشرارة الأولى للثورة "وصاح متتيا في المدينة
بصوت عظيم قائلا كل من غار للشريعة وحافظ على العهد فليخرج ورائي وهرب هو
وبنوه الى الجبال وتركوا كل ما لهم في المدينة حينئذ نزل كثيرون الى
البرية ممن يبتغون العدل والحكم" (1مكا 2: 27-29).
حيث قادوا عدة حروب محددة دحروا بها السلوقيين عن منطقة الهيكل
وعندئذ قاموا بتطهير الهيكل واعادة العبادة فيه وإستعادة العمل بالناموس،
وغيرها من الاصلاحات الدينية، واحتفلوا بهذا العمل تحت اسم عيد التجديد وهو
المذكور في (يوحنا 10 :22) ومازال يعد أهم أعياد اليهود الدينية والشعبية
ويطلق عليه "عيد الأنوار" أو "عيد الحانوكا" في الرابع والعشرين من ديسمبر
من كل عام.

مظاهرة يهوذا الجليلي:

نادي يهوذا الذي من الجليل بعدم جواز إعطاء الجزية للرومان، وقام

بتظاهرة ضخمة سنة 6 ق.م. يندد فيها بالرومان والاحتلال، وذلك بعد اعلان
الرومان بدء الاكتتاب العام، فقد نادي بأن الله هو وحده ملك اسرائيل، وله
وحده العشور والعطايا، فأثار يهوذا مشاعر اليهود الدينية، ولكن الرومان
سحقوا المظاهرة وقتلوه هو وبعض من أتباعه، وتشتت الباقون وتلاشت الحركة،
وقد تحدث عنه يوسيفوس المؤرخ اليهودي، واصفا إياه بـ "الجليلي" واخري بـ
"الجبالي" (من جبالا) إذن فهو يهوذا الجليلي أو الجبالي، ولا شك وربما كان
حزب الغيوريين (زيلوت) هم أتباع يهوذا الجليلي هذا.
وقد فشلت الثورة وسحق هو واتباعه وزاد هذا الامر الرومان اصرارا على
التعامل مع الثوار بأكبر قدر من القسوة والعنف، واعتبرت اليهودية منطقة
تمرد وثورات.

حزب الغيوريين:

ويدعى أيضا حزب زيلوت أو "سيقاريم" أو "حملة الخناجر" ويقال أنه

جناح متطرف من الفريسيين وحزب سياسي وتنظيم عسكري، ويظن البعض أنهم أتباع
يهوذا الجليلي السابق ذكره، وربما يكون الرابي اليهودي صادوق قد أيد
اتجاهات حزب الغيوريين، ومن الجائز والأرجح معا أن ترجع أصولهم إلي العصر
المكابي (165 ق.م.) ويذكر يوسيفوس شخصًا ثائرا يدعي "حزقيا" أعدمه هيرودس
الملك ويظن أنه أبو يهوذا الجليلي، وقد خلف يهوذا على التوالي: سمعان
ويعقوب ومناحم، والأخير هو الذي ُدعي "رئيس حملة الخناجر" وهو الذي أشعل
فتيل التمرد ضد الرومان سنة 66م. حيث استولي علي "قلعة مسادا" وقتل حاميتها
واستولي علي أسلحتها، ثم عاد إلي القدس حيث أحرق بعض المباني الهامة وقصور
الأثرياء وقصر رئيس الكهنة حنانيا وقتله، ولكنه عندما أقام من نفسه زعيما
دينيا وسياسيا، تعرض هو ورجاله لثورة مضادة ُقتل فيها وتشتت أتباعه، بينما
استمر نشاط الغيوريين أتباعه حتي خرب الهيكل سنة 70م.

مظاهرة الجليليين في الهيكل:

كان ذلك ربما في سنة 28م. حين أراد بيلاطس البنطي إقامة مشروع مائي

ضخم في أورشليم لجلب الماء من خارج المدينة، ولما كان المشروع سيتكلف كثيرا
فإن بيلاطس طلب من القائمين علي الهيكل مده بالأموال اللازمة، إذ علم أن
الهيكل هو أضخم خزانة في العالم، ولكنهم امتنعوا قائلين: "مال الأقداس
للأقداس".
ولكن مستشاريه اليهود أعلموه أن ضريبة نصف الشاقل التي تُحصّل عن كل
رجل سنويا، يمكن استخدامها في المشروعات المماثلة، غير أن المسئولين
اليهود ماطلوا في الإستجابة، فما كان منه إلا أنه استولي علي الأموال
الآتية من بابل كتبرعات مرسلة من يهود الشتات هناك، حيث اختطف جنوده تلك
الصناديق من اليهود وادخلوها إلي قلعة انطونيا المجاورة للهيكل، ولم تفلح
احتجاجات اليهود في استردادها، ولما اقيمت احتفالات الفصح لاحقاً، قام
اليهود - الذين أتوا من الجليل- داخل الهيكل بتمرد وهتفوا ضد بيلاطس
والرومان، ولما تمادوا طاردهم الجنود حتي المكان الذي تباع فيه الذبائح،
وقتلوا بعضا منهم فاختلطت دماؤهم بتلك الذبائح، هذا يفسر ما قاله البعض
للسيد المسيح حين كانوا يحدثونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم
بذبائحهم (لوقا 13: 1-5).
ولعل ذلك يلقي ضوءًا على ما قاله اليهود بخصوص التخلص من السيد المسيح،
حيث أن القبض عليه أثناء وجود عدة ملايين من الحجاج في الفصح قد يستغله
البعض لعمل ثورة وفتنة: «وَلكِنَّهُمْ قَالُوا:"لَيْسَ فِي الْعِيدِ
لِئَلاَّ يَكُونَ [b]شَغَبٌ
فِي الشَّعْبِ"» (متى 26: 5)، وإن كان قد
حدث بالفعل: «فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا،
بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ [b]شَغَبٌ
، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ
قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: "إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ!
أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!"» (متى 27: 24).
واتضح من إجابة السيد المسيح أنه متابع لما يحدث فهو مواطن متفاعل
مع الشعب والاحداث، اشار الى كثير منها وهو يعلمهم مثل المثل الذي قاله عن
الانسان الشريف الجنس الذي سافر ليتخذ لنفسه ُملكا، وربما كان يقصد – له
المجد- ارشيلاوس أو هيرودس انتيباس، اذ سعى كل منهما أن يحصل من مجلس
الشيوخ الروماني على لقب ملك، ولكن اليهود سارعوا بارسال مندوبين ييبلغون
الرومان بعدم ترحيبهم بذلك، ومن ثم تعرضوا للمحاكمة من قبل روما (لوقا 19:
12-14).
ثم لفت السيد المسيح انتباههم إلى الحذر لئلا يموتوا فجأة مثلهم ..
كما كاناليهود يظنون أن الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام
وقتلهم، قد عوقبوا بذلك لأنهم "خونة" عملوا مع الرومان وهم وثنيون، ولكن
قتلى الجليل كانوا "يهودا متعصبين" ومع ذلك فقد ماتوا أيضا فيما يشبه
الكارثة الطبيعية، وعلينا أن ننتبه إذن إلي ضرورة الإستعداد «أَقُولُ
لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ»
(لوقا 13: 3).
ولكن ما يعنينا هنا هو التظاهرة التي قام بها الجليليين كانت ذات طابع "عرقي"
فإذا كانت قومية وطنية لكان المتظاهرون قد تفهموا أن مشروع بيلاطس يهدف
الى مصلحة البلاد، واذا فكروا روحيا لصلوا إلى الله لكي يعم السلام بلادهم،
كما كان يجب أن يتذكروا أن الله في كل مرة سلمهم لأيدي أعدائهم كان بسبب
خطاياهم وعندما اتضعوا خلصهم، "انا قد خطئنا أمامك ولذلك أسلمتنا إلى أيدي
أعدائنا (استير 14 : 6).

مظاهرة للمطالبة بصلب السيد المسيح:

«وَلكِنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَحَرَّضُوا الْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ» (متى 27 :20)، ويقول القديس متى إنهم «كَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخًا
قَائِلِينَ: "لِيُصْلَبْ!" ... فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْب
وَقَالُوا:"دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا"» (متى 27 :25 )، ونقرأ
عن هياج الشعب وتحريض رؤساء الكهنة لهم وأن بيلاطس أراد أن يرضي الجمع الهائج (مرقس 15 :15) ويقول القديس لوقا عن تلك المظاهرة: «فَكَانُوا يَلِجُّونَ بِأَصْوَاتٍ عَظِيمَةٍ طَالِبِينَ أَنْ يُصْلَبَ. فَقَوِيَتْ أَصْوَاتُهُمْ وَأَصْوَاتُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ» (لوقا 23 :23).
وقد رأى البعض أن الفريسيين استخدموا السلاح ذاته - أي الشعب الذي
بايع المسيح مسيا- لكي يرفضوه ملكا لإسرائيل، ولكن الأرجح أن الذين صرخوا
ضد المسيح تشكّلوا من نوعين، الأول بعض من الذين بايعوه ولكن على خلفية
عرقية مادية وسياسية، والبعض الآخر لم يشترك في المظاهرة الاولى أصلاً بل
ُكرّس من رؤساء اليهود لاثارة بيلاطس ضده.

مظاهرة أفسس (أعمال 19):

قاد هذه التظاهرة العنيفة ديمتريوس نقيب صناع الهدايا التذكارية في

أفسس، والتي كانت تقوم تجارتها علي احتفالات أرطاميس وهيكلها هناك، ويذكرنا
أولئك الصناع بأصحاب محلات خان الخليلي، التي تقوم فيها التجارة علي
الأجانب عاشقي الآثار والهدايا الفرعونية، هاج الشعب هناك وانضموا إلي
الصناع، وقد استطاع ديمتريوس أن يثير حفيظة الشعب العاشق لأرطاميس، بأن
هناك إهانة للإلهة وتحقير لها ولمريديها، بينما كان غرضه هو إنقاذ تجارته
من الكساد الشديد الذي أصابها من جراء كرازة القديس بولس بالمسيح، وتحول
الكثيرين إلي المسيحية وانفضاضهم من حول الوثنية ومعابدها..
يقول القديس لوقا أن كثيرين ممن اشتركوا في المظاهرة لم يكونوا
يدرون سببها، ولماذا يرددون تلك الهتافات مع الباقين، وهو ما يحدث كثيرا في
المظاهرات حين يتحول الأمر إلي العرقية، أو عندما يستطيع البعض إثارة
الجماهير المحتشدة، بل وقد تندس عناصر غريبة داخل المظاهرة راكبين موجتها
محققين مكاسبا لهم لا تنتمي إلي رغبات المتظاهرين أصلا، مستثمرين الثورة
لحساب قضيتهم.
لقد اعترف ديمتريوس أنه ومن معه يعيشون في سعة من العيش بسبب
هذه المهنة المرتكزة على عبادة أرطاميس "أنتم تعلمون أن سعتنا انما هي من
هذه الصناعة" (أعمال 19: 25) ولكنه ولكي يزيد النار اشتعالا أعطى القضية
بعدا دينيا وهو يدري جيدا حساسية هذه النقطة لدى شعب ما ان سمع ذلك حتى جن
جنونه، ولم يكن ديمتريوس ومن معه يعنيهم سوى الكسب المالي وهو ما يحدث
كثيرا عندما يزج بالدين في أمور بعيدة عن العقيدة، اذ قال: "فليس نصيبنا
هذا وحده في خطر من ان يحصل في إهانة بل ايضا هيكل أرطاميس الإلهة العظيمة
ان يحسب لا شيء وأن سوف تهدم عظمتها هي التي يعبدها جميع اسيا والمسكونة،
فلما سمعوا امتلاوا غضبا وطفقوا يصرخون قائلين عظيمة هي ارطاميس الافسسيين
فامتلات المدينة كلها اضطرابا و اندفعوا بنفس واحدة الى المشهد " (آية 27-
29).
وخشي اسكندر وكان رجلا خطيبا متزنا ذا شخصية قوية من انتقام روما
التي لم تكن لتتهاود مع الثورات: "لاننا في خطر أن نحاكم من اجل فتنة هذا
اليوم وليس علة يمكننا من اجلها ان نقدم حسابا عن هذا التجمع" (آية 40).
فأشار إلى الجموع ليتفاهم معهم، فلما علموا أنه يهودي هتفوا بصوت عظيم:
«عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ!» (أعمال 19: 34)، وهكذا
اختلطت مظاهرتان إحداهما بالأخرى، ضد المسيحية وضد اليهودية، واختلطت
الهتافات والاتجاهات، الى الحد الذي وصفه كاتب سفر الاعمال بقوله: "وكان
البعض يصرخون بشيء والبعض بشيء آخر لأن المحفل كان مضطربا وأكثرهم لا يدرون
لأي شيء كانوا قد اجتمعوا" (آية 32).

هنا ونقول أنه كثيرا ما تبدأ المظاهرة بسيطة محدودة لقضية محلية

صغيرة، ولكنها سرعان ما تتحول الى فوضى يشوبها العنف واللغط، ولا يكون لها
هدف بعينه أوقضية محددة، وتختلط الأوراق وتتفتت القوي.

ثورة الليبرتيين ودفاع القديس استفانوس (أعمال ص 6، 7):

الليبرتينيون هم من العبيد المحررين غالبًا وكان لهم مجمع كبير،

وربما ضم هذا المجمع إليه بعضًا من القيروانيين والسكندريين وبلادًا أخرى،
ولما تحاوروا مع القديس استفانوس ولم يفلحوا في استمالته هيجوا عليه
السنهدريم وقادة اليهود والشعب: «حِينَئِذٍ دَسُّوا لِرِجَال

يَقُولُونَ:"إِنَّنَا سَمِعْنَاهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ تَجْدِيفٍ عَلَى
مُوسَى وَعَلَى اللهِ". وَهَيَّجُوا الشَّعْبَ وَالشُّيُوخَ وَالْكَتَبَةَ،
فَقَامُوا وَخَطَفُوهُ وَأَتَوْا بِهِ إِلَى الْمَجْمَعِ، وَأَقَامُوا
شُهُودًا كَذَبَةً...» (أعمال 6 :11 -13).
ودافع القديس استفانوس فيما يُسمّى بـ"دفاع استفانوس" ولما حنقوا عليه
قال بأنه يرى السموات مفتوحة وابن الانسان قائما عن يمين الله، وعندئذ لم
يحتملوا أكثر من ذلك: «فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ،
وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ» وهو يصلي لأجلهم
«يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ» (أعمال 7: 57-60).
هذه الثورة جلبت عليهم دمًا بريئًا، ولم تُنهي على المسيحية، بل ليقال أن
القديس بولس الرسول وُلد في هذه المظاهرة، ولم يستطع طوال حياته التخلص من
منظر الشهيد استفانوس وهو يستشهد، كما أن هذه الثورة، والتي تشتت
المسيحيون بسببها ظاهريًا، آلت إلى كرازة وشهادة أكثر للمسيح: «أَمَّا
الَّذِينَ تَشَتَّتُوا مِنْ جَرَّاءِ الضِّيقِ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ
اسْتِفَانُوسَ فَاجْتَازُوا إِلَى فِينِيقِيَةَ وَقُبْرُسَ
وَأَنْطَاكِيَةَ، وَهُمْ لاَ يُكَلِّمُونَ أَحَدًا بِالْكَلِمَةِ إِلاَّ
الْيَهُودَ فَقَطْ» (أعمال 11: 19).


شغب وفتنة في فيلبي (أعمال 16):

جاء هذا الشغب بسبب عرافة (ساحرة) مدينة فيلبي حيث اعترفت رغما عنها

بالمسيح معلنة لأيام متتالية أن بولس وتيموثاوس هم عبيد الله الحي، وشعر
القديس بولس أن هذا الصياح قد يعطل خدمتهما ويهيج الناس عليهما، فأمر الروح
النجس بالخروج منها (مثلما انتهر السيد المسيح الشياطين الذين صرخوا
معترفين به ولم يدعهم ينطقون)، وهنا شعر مواليها (أتباعها) بأنهم خسروا ما
كانوا يجنونه من سحرها وشعوذتها، فجرّوا الرسولَين إلي السوق (ساحة
الإجتماع) واستطاعوا أن يهيجوا الحكام والجموع عليهما وأمر الولاة بضربهما
بالعصي ثم أمروا بسجنهما سجنا مشددا، ولكنهم افرجوا عنهما في اليوم التالي
«فَقَامَ الْجَمْعُ مَعًا عَلَيْهِمَا، وَمَزَّقَ الْوُلاَةُ ثِيَابَهُمَا
وَأَمَرُوا أَنْ يُضْرَبَا بِالْعِصِيِّ. فَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا ضَرَبَاتٍ
كَثِيرَةً وَأَلْقُوهُمَا فِي السِّجْنِ» (أعمال 16: 22، 23).
لم يكن غرض المتظاهرين إلا نفعهم الشخصي فلا الوطن ولا العرافة
نفسها ولا قضية هامة بل الأموال التي كانوا يحصلون عليها، ولعل المتظاهرون
أنفسهم لم يدركوا انهم استغلوا بهذا القدر!!.

شغب كثير في تسالونيكي (اعمال 17):

بسبب كرازة القديسان بولس وسيلا في تسالونيكي آمن جمع كثير من

اليهود والأمم، بما فيهم كثير من النساء الشريفات، ولكن اليهود ثاروا
واتخذوا رجالا أشرارا من أهل السوق (بلطجية
) وتجمعوا وسجسوا المدينة، ولأول مرة نقرأ هذا التعبير "[b]سجس"
ويعني تشويش واضطراب، وقبضوا علي بعض الأتباع إذ لم يجدوا ياسون "مضيف
الكنيسة" وادعوا عليهم قدام الحكام بأنهم زرعوا الفتنة في بلاد كثيرة وهاهم
يحضرون إلي هنا، وقد هيج ذلك جموع الشعب والحكام الذين أطلقوا سراحهم
بكفالة مالية منهم ومن ياسون نفسه «وَلَمَّا لَمْ يَجِدُوهُمَا، جَرُّوا
يَاسُونَ وَأُنَاسًا مِنَ الإِخْوَةِ إِلَى حُكَّامِ الْمَدِينَةِ

صَارِخِينَ:«إِنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمَسْكُونَةَ حَضَرُوا
إِلَى ههُنَا أَيْضًا» (أعمال 17: 6).
لأول مرة نقرأ عن استخدام "البلطجية" في الثورات وهو أمر بعيد عن النبل ويعكس نفسية المسئول عن الشغب.

مظاهرة أخائية:

لما آمن كثير من اليهود بسبب كرازة القديس بولس في كورنثوس، بل
وبعض من رؤساء المجامع من اليهود، ثار بعض الوثنيين واليهود عليه واختطفوه
وحملوه إلي كرسي ولاية غاليون متهمين اياه بأنه يعلم تعاليم مخالفة
للناموس، ولما هم القديس بولس بالدفاع عن نفسه بادر الحاكم "غاليون"
بتوبيخهم بسبب عدم اختصاصه في مثل هذه المسائل وأن وقته لا يسمح لمثل ذلك،
وأن ما فعله بولس لا يقع تحت المخالفة ولا يستحق بالتالي المحاكمة، بل وقام
بطردهم من قدامه فأخذوا "سوستانيس رئيس المجمع" الذي اصبح مسيحيا وضربوه
قدامه، ولكنه لم يأبه لشئ من هذا فلم يرَ في ذلك الخلاف سوي مسائل محلية
ومجرد تغيير أسماء آلهة !.. هذا موسي وهذا يسوع وهذا يهوه !! فسخر منهم
وطردهم.

في أورشليم ضد القديس بولس خلال زيارته الأخيرة لها (أعمال 21):

في زيارة القديس بولس الأخيرة لأورشليم دخل إلى الهيكل مع رجال عليهم

نذور لكي يوفوها، هناك رآه يهود من الشتات يعرفونه جيدًا، في حين لم يعرفه
يهود أورشليم في الهيكل، فأثاروا عليه اليهود هناك قائلين: «يَا أَيُّهَا
الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، أَعِينُوا! (الحقوا!
) هذَا هُوَ
الرَّجُلُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدًّا
لِلشَّعْبِ وَالنَّامُوسِ وَهذَا الْمَوْضِعِ» وأنه يدنس هذا الموضع
بإدخاله أناسًا يونانيين إليه.
وتمثل هذه الدعوة "اعينوا" تحريضًا على التظاهر والثورة، فهاجت المدينة كلها وتراكض الشعب وامسكوا بولس وجرّوه خارج الهيكل... ولما اغلقوا عليه الأبواب مزمعين قتله وصل الخبر إلى قائد الجيش في أورشليم أن المدينة كلها قد اضطربت،
وما أن رأى المتظاهرون الجنود حتى تراجعوا، وبينما همّ قائد الكتيبة
بالقبض على بولس وترحيله سأل عن هويته وجريمته، ولكن البعض كان يصرخ بشيء
والبعض بشيء آخر، بل أنه في الطريق إلى المعسكر تعرّض لمحاولة قتل بسبب عنف
الجموع، لأن جموع الشعب كله كانوا يتبعونه صارخين: «خُذْهُ» (أعمال 21 :31
-36 ).
وقد سمح له القائد بمخاطبة الجمع ليحتج لديهم، ولكنهم سمعوه حتى صرّح بأن الله أرسله ليكرز للأمم، وحينئذ هاجوا وطالبوا بقتله: «وَإِذْ كَانُوا يَصِيحُونَ وَيَطْرَحُونَ ثِيَابَهُمْ وَيَرْمُونَ غُبَارًا إِلَى الْجَوِّ»
(أعمال 22: 23)، مما حدا بالأمير أن يأمر بنقله إلى المعسكر، حيث حاول
جلده بعد تقييده ولكنه احتج لأنه روماني فاعتذر له الأمير عن ذلك.

ثورات بدافع عرقي

ثورات اليهود قبيل خراب أورشليم 70م.:

وصف يوسيفوس المؤرخ اليهودي ما حدث في تلك الثورة أبلغ وصف، فقد
أشعل فتيل الثورة الكثير من الجيّاع، كما ادعى البعض النبوة مدعين أن
الخلاص آت قريبا، ومنهم [b]سمعان
الذي كان عبدا لدى هيرودس معلنا نفسه ملكاً، وأترونجيس والذي كان راعيا هرب الى البرية يقاوم السلطات لسنوات وثوداس والذي ادعى قدام الناس أن الاردن سينفتح قدام الشعب، والمصري
الذي ادعى أنه يستطيع أن يسقط اسوار، ولا شك ان كل ذلك جعل الناس مستعدين
لاستقبال فكرة وصول المسيا، وبدأت الثورة سنة 66 بثورة في قيصرية من اليهود
ضد يونانيين، وفي أورشليم أخذ الحاكم فلورانس 17 وزنة ذهب من خزينة
الهيكل، فثار اليهود وسخروا منه بأن جمعوا له المال في سلال، فأمر جيشه
بمهاجمتهم وقتل 3600 شخص وكان ذلك في 3 يونيو 66م. وهاج اليهود وهاجموا
الحامية الرومانية بالسلاح وقتلوا جنود الحامية الرومانية، وقتل رئيس
الكهنة حنانيا بيد الثوار الغيوريين، وقتل 20 الف يهودي في قيصرية، وثار
اليهود وهاجموا الوثنيين في اكثر من مدينة، وهنا قرر الحاكم السوري المسئول
عن اليهودية بتجريد جيش وحصار اورشليم ولكنه اجبر على التراجع، واعتبر
الغيوريين ذلك نصرا لهم على الرومان، وقررت روما تأديب اليهود وكلف نيرون
فاسباسيانوس بذلك حيث زحف عليها بجيش قوامه 50 الف جندي وذلك في ربيع سنة
67م. واكتسح كل البلاد في طريقهومن بينها الجليل التي كان يوسيفوس يدافع
عنها حيث اسر وصار يعمل مترجما للرومان.
وقد وصف المدينة من الداخل أثناء الحصار الروماني لها، وصفا بليغاً
ولكنه وصف يدمي القلوب قبل العيون، فقد احكم الرومان الحصار حول أورشليم،
بينما قاد ثلاثة من قادة اليهود المتعصبون ومعهم 18 الف جندي ثورة غير
متكافئة ضد الرومان، وكان القادة الثلاثة ويسمون بـ "الخوارج" أشبه ما
يكونوا بقادة "الميليشيات" يتفقون مرة فيصيبون بعض النجاح واخرى ينقسمون
على أنفسهم فينكسرون قدامهم وهكذا، وقد طلب منهم الرومان تسليم المدينة
حقناً للدماء غير أنهم سدوا آذانهم عن ذلك وجروا شعبهم الى الدمار والهلاك
فقد ضربتهم المجاعة ومن بعدها الوبأ واضطر الناس الى أكل الحيوانات والجيف
بلواقدمت امرأة على ذبح ابنها وطهته واكلت منه لتسد جوعها بينما اختطف
الغوغاء بقيته والتهموها، وسقطت اورشليم واحترق الهيكل، ومات أكثر من مليون
ومئة ألف يهودي بينما وقع في الاسر 97 الف بيعوا كعبيد أو ارسلوا الى
الاعمال الشاقة في مصر. وتشتت اليهود في جميع انحاء العالم شتاتا لم ينتهي
حتى اليوم. وكان الاحرى بالثوار هو أن يحافظوا على المدينة وسكانها حتى ولو
بتسليمها، وهو نفس ما حدث حين اصر الرؤساء قبل السبي على عدم تسليم
المدينة رغم أن تلك كانت نصيحة الأنبياء لهم.
هنا شكل آخر من أشكال الثورة، لم يلب فيه المحتجون احتياج الشعب،
بل لم يعبروا عنهم فأساءوا اليهم وجلبوا عليهم العار والدمار والفناء.

ثورة باركوكبا (132-135م.):

ترجع أسباب هذه الثورة الشهيرة الى رغبة الامبراطور هادريان في جعل

اورشليم مستعمرة رومانية باسم "ايليا كابتولينا" وقاد تلك الثورة شخص يهودي
يدعى: باركوكبا (ابن الكوكب) وان كان قد دعي في بعض الكتابات "بار كوسبا"
أي ابن الكذاب وربما كان السبب هو ادعاؤه بانه المسيح، بل وصك نقودا باسمه
تفيد بذلك، وبار كوكبا هو الذي قاد العصيان اليهودي ضد الرومان في عهد
الإمبراطور هادريان سنة 137م، وقد احتل أتباعه اكثر من 70 كهفا هاجمهم
الرومان وقتلوهم سنة 135م. ومن المحتمل أن يكون "باركوكبا" من نسل يهوذا
الجليلي أيضا، وقد كان من قادة الغيوريين (يسمون سيقاريم) كما كان الأتباع
يحملون سيوفا قصيرة داخل أكمامهم يستخدمونها متي بدأت الإشارة وهم مندسون
بين الناس، وقد عاقبهم الرومان بأن حرموا من دخول اورشليم الا في 9 اغسطس
من كل عام لزيارة حائط المبكى، كما قام الامبراطور بتكريس هيكلين أحدهما
لجوبيتر عند هيكل سليمان والاخر لفينوس عند القبر المقدس، وينظر الى تلك
الثورة باعتبارها اخر ثورات اليهود.

مظاهرات فرح بالرب:

وهي انفجار مشاعر الحب والبهجة بالرب من قبل الشعب، مثلما حدث عند
نقل التابوت الى المحلة، وكذلك عند تدشين هيكل سليمان، وعند اجتماع عزرا
بالشعب حول الشريعة والتعهد بالعودة الى الرب وكذلك عند استقبال الشعب
للسيد المسيح في اورشليم.

تابوت عهد الرب في المحلة:
بعدما انكسر بنو إسرائيل أمام الفلسطينيين اقترح الشيوخ أن يأتوا بتابوت
عهد الرب إلى المحلة ليحارب عنهم ويشجعهم، فلما حملوه إلى هناك هتف الشعب
كله بصوت عظيم حتى أُصيب الفلسطينيون بالرعب: «وَكَانَ عِنْدَ دُخُولِ
تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ إِلَى الْمَحَلَّةِ أَنَّ جَمِيعَ إِسْرَائِيلَ
هَتَفُوا هُتَافًا عَظِيمًا حَتَّى ارْتَجَّتِ الأَرْضُ. فَسَمِعَ
الْفِلِسْطِينِيُّونَ صَوْتَ الْهُتَافِ فَقَالُوا: "مَا هُوَ صَوْتُ هذَا
الْهُتَافِ الْعَظِيمِ فِي مَحَلَّةِ الْعِبْرَانِيِّينَ؟" وَعَلِمُوا
أَنَّ تَابُوتَ الرَّبِّ جَاءَ إِلَى الْمَحَلَّةِ. فَخَافَ
الْفِلِسْطِينِيُّونَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: "قَدْ جَاءَ اللهُ إِلَى
الْمَحَلَّةِ". وَقَالُوا: "وَيْلٌ لَنَا لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هذَا
مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ مَا قَبْلَهُ!"» (صموئيل الأول 4: 5-7).
تلاحظ في هذه التظاهرة، ارتباط الشعب بالرب والالتفاف حوله ارعب
العدو، وفي المقابل فان البعد عن الله يجعلنا فريسة سهلة للأعداء

مظاهرة الإحتفال بدخول السيد المسيح أورشليم:

كان هناك توقع أن السيد المسيح سيحضر إلى أورشليم للعيد، حيث حدث من
قبل أن تساءلوا هل سيأتي إلى العيد: «وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيبًا
... فَكَانُوا يَطْلُبُونَ يَسُوعَ وَيَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهُمْ
وَاقِفُونَ فِي الْهَيْكَلِ:"مَاذَا تَظُنُّونَ؟ هَلْ هُوَ لاَ يَأْتِي
إِلَى الْعِيدِ؟"» (يوحنا 11: 55، 56) ولا سيما بعد معجزة إقامة لعازر،
ولما همّ بالدخول إلى أورشليم آتيًا مع تلاميذه من جبل الزيتون، طار الخبر
إلى الشعب فاجتمعوا بأعداد غفيرة أثارت استياء رؤساء اليهود، سواءً من جهة
الأعداد أو مدلول الهتافات التي رددوها، وما بين الجمع الأكثر الذين فرشوا
ثيابهم (علامة الخضوع)، وحاملي الأغصان، وصراخ «أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ»،
«مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ»، «أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي»،
و«سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي»، بل وُصفت المظاهرة
بعبارة: «ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً:"مَنْ هذَا؟"» (متى
21 :10).
كانت مظاهرة حب، وانفجار فرح شعبي، وبحسّ لاهوتي شعروا أن هذا هو المسيا
الذي ينتظرونه، وها هم يؤيدونه ويملّكونه علي قلوبهم قبل ثيابهم، ومنظر
الأغصان المرفوعة والثياب المفروشة موجود في العهد القديم عند الإحتفال
بمبايعة بعض الملوك «فَبَادَرَ كُلُّ وَاحِدٍ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَوَضَعَهُ
تَحْتَهُ عَلَى الدَّرَجِ نَفْسِهِ، وَضَرَبُوا بِالْبُوقِ وَقَالُوا:
"قَدْ مَلَكَ يَاهُو"» (ملوك ثاني 9: 13).


حقنا في التظاهر

له تحول إلى من هو في منصب أعلى ليبث شكواه من الظلم، فاذا استمر الصمت عن
تلبية حاجته اضطر عندئذ إلى لفت الانتباه إلى مطالبه، وذلك بالتظاهر وهي
كلمة تعني أن يُظهر للناس أن له احتياجات لم تُلبَّ، ويعلّمنا الكتاب
المقدس التفاوض وعرض قضايانا، فتكلم السيد المسيح عن الطرق الدبلوماسية
وذلك في "مَثَل حساب النفقة"، حيث ذكر أن يرسل الملك "سفارة" وهي اللفظة
التي يُقصد بها الطرق الدبلوماسية: «وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذلِكَ بَعِيدًا،
يُرْسِلُ سِفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ» (لوقا 14: 32)، كما
نصح اسكندر حشود الثائرين في أفسس برفع قضايا والترافع في المحاكم (أعمال
19)، أما إذا استدعى الأمر التظاهر فإن الغرض منه يكون لفت الانتباه إلى أن
الاحتجاجات لم تلبَّ بعد سلوك الطرق الشرعية، على أن التظاهر يكون مشروطًا
بثلاث شروط: أولها البعد عن إراقة الدماء، وثانيه
يلجأ الإنسان عادة إلى أولي الأمر للتعبير عن حاجته، فإذا لم يستجب



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://godislove.forum0.net
 
مقالة بعنوان : المظاهرات قراءة فى ضوء الأسفار المقدسة بقلم نيافتك الحبر الجليل الأنبا مكاريوس الأسقف العام بالمنيا وابوقرقاص
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الله محبة :: الحياة الكنسية :: المقالات والنقاش الروحى-
انتقل الى: